الشيخ محمد رشيد رضا
146
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بما عرض لهم والحزن على ما فقدوا في « أحد » وكل من الوهن والحزن كان قد وقع وهو أمر طبيعي في مثل الحال التي كانوا عليها ؟ والجواب : أن المراد بالنهى ما يمكن أن يتعلق به الكسب من معالجة وجدان النفس بالعمل ولو تكلفا ، كأنه يقول انظووا في سنن من قبلكم تجدوا انه ما اجتمع قوم على حق واحكموا أمرهم وأخذوا اهبهم وأعدوا لكل أمر عدته ، ولم يظلموا أنفسهم في العمل لنصرته ، الا وظفروا بما طلبوا ، وعوضوا مما خسروا ، فحولوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم ، وولوهما جهة ما يستقبلكم ، وانهضوا به بالعزيمة والحزم ، مع التوكل على اللّه عز وجل ، والحزن إنما يكون على فقد ما لا عوض منه وإن لكم خير عوض مما فقدتم ، وأنتم الأعلون برجحانكم عليهم في مجموع الوقعتين - بدر وأحد - إذ الذين قتلوا منهم أكثر من الذين قتلوا منكم ، على كثرتهم وقلتكم ، أو جملة « وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ » معترصة يراد بها التبشير بما يكون في المستقبل من النصر ، وهما قولان للمفسرين وسواء كانت للتسلية أو للبشارة فهي مرتبطة بالايمان الصحيح الذي لا شائبة فيه فان من اخترق هذا الايمان فؤاده وتمكن من سويدائه ، يكون على يقين من العاقبة ، بعد الثقة من مراعاة السنن العامة والأسباب المطردة ولذلك قال « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » ومثل هذا الشرط كثير في القرآن وهو ليس للشك ، وإنما يراد به تنبيه المؤمن إلى حاله ومحاسبة نفسه على اعماله قال الأستاذ الامام في الدرس : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الخميس الماضيةغرة ذي القعدة سنة 320 ) في الرؤيا منصرفا مع أصحابه من أحد وهو يقول « لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة » أي لما في الهزيمة من التأديب الإلهي للمؤمنين وتعليمهم أن يأخذوا بالاحتياط ولا يغتروا بشئ يشغلهم عن الاستعداد وتسديد النظر ، وأخذ الأهبة وغير ذلك من الأسباب والسنن . ثم بين تعالى وجه جدارتهم بأن لا يهنوا ولا يحزنوا فقال إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم « قرح » بضم القاف والباقون بفتحها . قال كثير من المفسرين : إن القرح بالفتح والضم واحد فهو كالضعف فيه اللغتان ، ومعناه الجرح . وقال بعضهم إن القرح بالفتح هو الجراح وبالضم أثرها وألمها . ورجح ابن جرير قراءة الفتح فال « لا جماع أهل التأويل على أن معناه القتل